القدس: أن نروي حكاية أخرى

القدس: أن نروي حكاية أخرى

08
إنّ استعراض التفوق اليهودي في الطقس السنوي المعروف باسم "مسيرة الأعلام" لا يمكن أن يكون القصّة الوحيدة عن القدس. فهذه المدينة ينتمي إليها مئات الآلاف من سكّانها، من اليهود والفلسطينيين، الحالمين بواقعٍ مختلف. ولكي يتحقّق هذا الحلم، لا بدّ من أن نروي حكايةً جديدة عن القدس، حكايةً تليق بجميع أبنائها وسكّانها.

قدسٌ أخرى ممكنة.

وُلدتُ في هذه المدينة، وعشتُ فيها عمري كلّه. تألف قدماي الكثير من شوارعها وأزقتها وتعرفها معرفةً حميمة. وكثيرٌ من ذكريات حياتي في مراحلها المختلفة متشابكةٌ بها: من نزهاتي مع والدي، رحمه الله، في أزقة المدينة القديمة وشوارعها، إلى نشاطات الليالي في حركة الشبيبة في وادي المصلبة. ومن تسرّبي من الدروس في الجامعة في جبل المشارف، إلى لقائي الأول بحبّ حياتي الحقيقي في دروس السالسا في نادي "البراثون" الشهير، هو أيضًا في الحرم الجامعي. وطبعًا، ولادتي لطفليّ في مستشفى هداسا عين كارم.

وإلى جانب أطيب الذكريات، هناك أيضًا ذكرى رائحة "النتن الكيماوي" عند باب العمود في ليالي رمضان. الشرطة، التي تسمح لعشرات الآلاف من الشبان المهووسين بالكراهية ومشاعر التفوق اليهودي بأن يُرهبوا تجّار المدينة القديمة وسكانها بلا رادع، كانت تعرف جيدًا كيف تُفسد أجواء ليالي الشهر الأقدس للمسلمين وتُلقي الرعب في قلوب العائلات الخارجة في الشوارع.

القدس مدينةُ تناقضات: مدينة جمالٍ يخطف الأنفاس، وقبحٍ يُحطّم القلب. مدينة تواصلٍ إنسانيّ وفواصلَ سياسيّة في آن.

نعم، ما أجمل القدس، مدينةٌ مليئة بزوايا خفية ساحرة. وما أصعب القدس أيضًا. إذ يبدو أنّ كلّ التوتّرات السياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة تتجلّى فيها على نحو مضاعف. كلّ شيءٍ فيها يتجمّع ليبلغ ذروته في "يوم القدس"، ولا سيّما في محيط "رقصة الأعلام"، ذلك العرض العنيف المفعم بالكراهية لتفوّقٍ يهوديّ أعمى.

القدس مدينةٌ يمزّقها صراعٌ موجع دامٍ. الفوارق بين شطرَيها، الغربي والشرقي، تصرخ إلى السماء. وفي يوم القدس، حين تؤدى "رقصة الأعلام"، يُفرض على الفلسطينيين من سكان البلدة القديمة الاحتماء في بيوتهم إلى أن ينقضي الغضب، إلى أن تخبو أصوات الكراهية والضربات المفعمة بالحقد.

في هذا اليوم الذي يُفترض أنه يوم احتفال بـ "مدينتا"، ينغلق كثير من سكانها اليهود أيضًا في بيوتهم بانتظار أن يمرّ الغضب. في هذا اليوم، اضطررتُ إلى نقل محاضرتي في الجامعة لتُعقد عبر زووم حمايةً لطالباتي الفلسطينيات المقيمات في البلدة القديمة وفي شرق المدينة. غضبتُ من نفسي لهذا الشلل الجزئي الذي أصابني أمام أمواج الكراهية والعنف التي اجتاحت الشوارع، ولم يبقَ أمامها سوى الاستسلام لآلاف الأقدام القادمة خصّيصًا لدَوْسِها.

من غير المعقول أن تكون هذه هي حكاية القدس، وبالتأكيد، ليست القصة الوحيدة التي تُحكى عنها.

هذه المدينة الجميلة والمتألمة هي أيضًا مدينتي، كما هي مدينة مئات الآلاف من سكانها، من اليهود والفلسطينيين، الحالمين بقدسٍ أخرى. ولكي يتحقّق هذا الحلم، لا بدّ من أن نروي حكايةً جديدة ومغايرة عن القدس، حكايةً ترسم رؤية لمدينة تُبنى بما يتلاءم مع جميع سكانها.

وأين السبيل إلى تلك الرؤية؟ كتب الشاعر الإسباني الثوري أنطونيو ماتشادو: "السير يصنع الطريق". وهذه الطريق تمرّ، بطبيعة الحال، عبر مسار من المصالحة وحلّ النزاع المترسخ في مبادئ العدالة والمساواة والشراكة وحسن الجوار.

أجل، إنّ قدسًا أخرى ممكنة. بوسعها أن تكون مدينة ينعم فيها اليهود والفلسطينيون بمكانة متكافئة وحقوق متساوية وتمثيل سياسي عادل في المؤسسات التي تدير شؤون حياتهم اليومية.

بوسعها أن تكون مدينة مزدهرة، جاذبة للناس من قريب وبعيد، لا ليتعلّموا في مؤسساتها الأكاديمية الرفيعة فحسب، بل أيضًا ليقيموا فيها وتكون لهم وطنًا.

قدسٌ أخرى ممكنة. إذ يمكن أن تنمو فيها مزيدٌ من الأطر التربوية المشتركة ثنائية اللغة، مثل نموذج مدرسة "يد بيد" الرائع، حيث يتعلم الأطفال، وكذلك ذووهم، عبر تفاصيل الحياة اليومية كيف يمكن بناء مجتمع مشترك بحقّ.

قدسٌ أخرى ممكنة. لأن جمالها يفوق جمال عواصم كثيرة في العالم. وبوسعها أن تكون مركزًا للحكم ومقرًّا دبلوماسيًّا يوفّر آلاف الوظائف المرموقة.

قدسٌ أخرى ممكنة. وفيها اليوم مشهدٌ ثقافي وفني نابض بالحياة، متنوع ومثير. لكن بمقدورها أن تكون أكثر من ذلك بكثير. بوسعها أن تحتضن المهرجانات المشتركة للموسيقى والفن والشعر والمسرح، وأن تحتفي حقًّا بتنوّعها الوطني والديني والثقافي والإنساني، وبطاقات الإبداع اللامعة في كل زاوية منها.

قدسٌ أخرى ممكنة. ففيها اليوم مساحات كثيرة يعمل فيها اليهود والعرب ويتعلّمون جنبًا إلى جنب: في المستشفيات والعيادات، في الجامعات، وفي المجمّعات التجارية. لكن بمقدورها أن تكون أكثر من ذلك بكثير، بفضاءاتٍ مشتركة للتجارة والثقافة والترفيه، تُجسّد الثراء والتنوّع الناتجَيْن عن التقاء ثقافتين في مكانٍ يسوده التكافؤ.

قدسٌ أخرى ممكنة. والطريق إلى تلك القدس تمرّ عبر فهم وتقبّل بأنّ قداستها ليست حكرًا على اليهود وحدهم. يمكنها أن تكون مركزًا للحوار الدينيّ، يعيش فيها اليهود والمسلمون والمسيحيون حياةً دينيّةً يسودها التسامح والاحترام المتبادل.

قدسٌ أخرى ممكنة. بمقدورها أن تكون أكثر من ذلك، وأكثر بكثير: أن تكون أنظف مما هي عليه، وأكثر احتواءً وتنوّعًا، أكثر أمنًا وازدهارًا. لكن هذا لن يحدث تلقائيًّا، بل يتطلب اتخاذ قرارات سياسية واستثمارًا في الموارد. تقدّم وثيقة «أمل من القدس» الصادرة عن مؤسسة "عير عميم" خارطة الطريق المؤدية إلى هناك.

قدسٌ أخرى ممكنة لو اخترنا أن نكتب لها حكايةً أخرى، وأن نسلك الطريق الطويل المتعرج المؤدي إليها.

קריאה נוספת

للمزيد

Read More