تتطلب رؤيةُ السلام حُسن نية من عدد كبير من الفاعلين، إذ يمكن لأي منهم، في غياب هذه النية الحسنة، أن يُحبط تحقيقها. هذه الأيام التي نعيشها الآن هي عصرٌ لا نهاية له من انعدام حسن النية. وبما أن هذا النص كُتب العبرية، فمن الجدير بالذكر بأنه، خلافًا لما يودّ معظم الإسرائيليين تصديقه، فإنّ عصر سوء النية لم يبدأ في السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر، بل كان سائدًا هنا منذ زمن طويل. وفي غياب النية الحسنة، أو بالأحرى، عندما يكون ميزان القوى مختلًّا إلى هذا الحد ضدّ الأفراد والمجموعات المتمسّكين برؤية تقوم على الاعتراف المتبادل، والحرية، والمساواة، والسلام، فما الموقع الذي تحظى به رؤيةٌ كهذه؟
إنّ السؤال عن موقع رؤية السلام حين يفتقر السائرون في نورها إلى القوة الكافية لتحقيقها يكشف عن معضلة عميقة، لكنه يحمل في طياته بداية جواب جزئي. فالمعضلةُ تتعلق بالتوتر، وربما بالتناقض، بين الرغبة في السلام والحاجة إلى النضال ضدّ من يعارضونه. فهل يمكن تنميةُ الموارد النفسية، والاجتماعية، والمادية الداعمة للسلام، وفي الوقت ذاته تلك اللازمة لخوض صراع حازم ضدّ خصومنا من أنصار التفوق اليهودي؟ ليست هذه مسألةً نظرية؛ إذ يثبت اختبار الواقع في إسرائيل/فلسطين، على نحوٍ مؤلمٍ وفاضح، مدى فشلنا في هذا التحدي.
وماذا عن اختبار الواقع في أورشليم/القدس؟ لا شكّ في أن القدس بعيدة كل البعد عن تجسيد رؤية السلام. فضمُّ القدس الشرقية، إلى جانب حرمان سكانها الفلسطينيين من حقوقهم السياسية واستمرار قمعهم، جعل منها مدينةً لا يستطيع نظامُ الفصل العنصري أن يتخفّى فيها وراء ستار احتلالٍ "مؤقّت" أو وراء وهمٍ بأنّ إسرائيل ستسارع إلى إنهائه ما إن تجد الشريك المناسب. إنّ هدم المنازل، وعنف الشرطة، والتمييز الصارخ في تقديم الخدمات الحيوية الأساسية، كالتعليم، والرعاية الصحية، بل وحتى المياه، تشكّل جميعها واقع حياة آخذ في التدهور لسكان القدس الشرقية. غير أن الواقع الفلسطيني في القدس تحت الحكم الإسرائيلي ليس واقعَ قمع فحسب، بل هو أيضًا واقع نضال وتضامن. ويشكل النضال التضامني هذا جزءًا جوهريًّا من الجواب على الإشكالية التي طرحناها آنفًا بشأن الحاجة إلى نضال حازم من أجل السلام.
وكما جاء بحقّ في وثيقة «أمل من القدس»، فإنّ مدينتنا فريدة بكون مئات الآلاف من الإسرائيليين ومئات الآلاف من الفلسطينيين يتقاسمونها، ويديرون في شوارعها شؤون حياتهم اليومية، ويحتكّ بعضهم ببعض… وفي الخطاب السائد تُعتَبر هذه الشروط مصدرًا للهشاشة والعنف. غير أنها، بالقدر نفسه، شروطٌ تُجبر الفلسطينيين المقدسيين على النضال من أجل حقوقهم الأساسية، وعلى رأسها الحق في البقاء في المدينة؛ وهي أيضًا شروطٌ تتيح وتستدعي من الإسرائيليين المقدسيين العمل بتضامن معهم. ظروف الحياة المقدسية تحفّز على التضامن الفعّال، فمثلًا، للوصول إلى حيّ الشيخ جراح يكفي أن تنزل من القطار الخفيف بعد أربع محطات فقط من ميدان صهيون [كيكار تسيون]. وهي تحفّز على التضامن بالأساس لأن النضال من أجل قدس شرقية أفضل هو في جوهره نضال من أجل قدس أفضل بأكملها. ليس هذا نضالًا يجري في مكان بعيد أو من أجل آخرين، بل هو نضال يدور هنا، من أجل بيتنا.
إنّ النضالات الإسرائيلية والفلسطينية في القدس ومن أجل القدس –ضدّ عنف الشرطة، وضدّ هدم المنازل، وضدّ الاستيلاء على الفضاءات الفلسطينية– قد تبدو للوهلة الأولى شيئًا لا يمتّ بصلة إلى النشاط من أجل السلام، وسببُ ذلك لا يعود إلى أنّ روحها ونهجها يختلفان اختلافًا كبيرًا، بل لأنه حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلًا، حيث يحقق بعض هذه النضالات نجاحات جزئية، فإن الواقع الجوهري للهيمنة الإسرائيلية القسرية والحصرية على فضاءات المدينة لا يتغير.
لكن حين تتضمن هذه النضالات تضامنًا إسرائيليًّا فلسطينيًّا، فإنها تصبح أيضًا ساحة نتدرب فيها على تجسيد مزايا السلام الأساسية ونعيشها فعليًّا في واقع ثنائي القومية، وهذه المزايا ذُكرت بالتفصيل في وثيقة «أمل من القدس». ينطلق التضامن من نقطة قوامها الاهتمام المتبادل الذي يتجاوز الحدود، والنضال المشترك يعمّق هذا الاهتمام ويقوّيه. إن فضاءات العمل التضامني هي فضاءاتٌ ثنائية القومية، وأكثر ثنائية للقومية من العزلة التي فُرضت على أولئك الذي ينكرون القدس بوصفها مدينة ثنائية القومية. وبما أن النضال التضامني يدور في الأحياء الفلسطينية من المدينة، وحول قضايا تمسّ مباشرة حقوق الفلسطينيين وحياتهم، فإنّ الإسرائيليين يكتشفون في سياقه قيمة –بل وتحدّي– التنازل عن الاحتكار في صنع القرار.
تنطوي النضالات، حتى النضالات التضامنية منها، على أثمان، وغالبًا ما تخلّف جراحًا في النفس. لا يمكن على الأرجح تجنّب ذلك، لكن النهج الذي نخوض به نضالنا هو ما يُشكّل ملامح تلك الأثمان وعمق تلك الجراح. وفي هذا المعنى، فإنّ الميل الافتراضي للنضال إلى أن يكون "ضدّ" –ضدّ الظلم، ضدّ القمع، ضدّ العنصرية– لا يخدم بالضرورة أولئك الذين يُكرّسون أنفسهم له. فرغم أنّ المقاومة مبرَّرةٌ وضرورية، فإنّها تُغذّي في داخلنا أنماطًا من المشاعر بعيدة كل البعد عن روح السلام.
لذلك، مهما بدت رؤية السلام بعيدة ومستقبلية، فهي موردٌ أساسي لأولئك منّا الذين يختارون خوض النضالات التضامنية من أجل الحاجات الملحة في الواقع الراهن الممزق. أفعالنا وأفعالُ شركائنا تجسّد هنا والآن مزايا السلام. وكلما حفرنا ذلك في ذاكرتنا، وسمحنا للتوق الأصيل لأن يكون بوصلة عملنا، استطاعت نضالاتنا أن تمنحنا أيضًا العزاء والشفاء.
קריאה נוספת
للمزيد
Read More
02
03
06