الآن، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، ينبغي أن نتخيّل واقعًا آخر، وأن نعمل على تحقيقه. الآن تحديدًا، في وقتٍ بلغت فيه حدّة العنف بين اليهود والفلسطينيين مستوى لم نعرف له مثيلًا من قبل، والإبادة الجماعية فيه ليست خارج الخطاب، وحين غدا السلام يُعَدّ في أحسن الأحوال ضربًا من الوهم، وفي أسوئها خيانة. علينا أن نرفض، رفضًا قاطعًا، صناعة الموت التي تتحكّم بنا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وأن نرفض معها فساد إنسانيتنا وإنسانيتهم على السواء.
إنّ السبيل لرفض هذا الحاضر الرديء رفضًا تامًّا، ولئلّا نسمح له بأن يفسدنا أكثر ممّا نال من ضمائرنا، هو بناءُ واقعٍ مغايرٍ تمامًا، واقعٍ يلتقي فيه أبناء وبنات الشعبين، لا كخصوم أو غرباء، بل كبشرٍ، منتسبين لجماعتَيْن قوميّتين متكافئتَيْن في المكانة. لا يلتقي فيه اليهود والفلسطينيون مصادفة أو على نحو عابر أو منفصل عن تفاصيل حياتهم اليومية، بل في لقاء غير مشروط بفحص نوايا الشرّ لدى الآخر ولا بتبرئته منها. مثل هذا اللقاء لم نعشه بعد، ومن الجدير أن نفكّر فيه، وأن نتخيّله، وأن نسعى لتحقيقه.
والقدس هي المكان الأنسب لبدء هذه الرحلة الشيقة، لأنّها تتيح نوعًا فريدًا من اللقاء لا يحدث في أيّ مكانٍ آخر بين النهر والبحر. وللتدقيق أكثر، فإنّ هذا اللقاء يحدث في معظمه في أنحاء المدينة الغربية، وجزئيًّا في الشوارع الرئيسية من البلدة القديمة. وهو لقاءٌ تبرز فيه علاقات التفوق يهودي، إلى جانب اعتماد الفلسطينيين على أصحاب النفوذ والمال المقيمين في المدينة الغربية. هذا الواقع لم يخطَّط مسبقًا، ولم يُسأل الطرفان إن كانا يرغبان به. فحين أُقيم جدار الفصل، قُطِع الفلسطينيون بالقوة عن امتدادهم الطبيعي في الضفة الغربية، وبذلك أُجبِر اليهود في المدينة الغربية على استقبال عددٍ أكبر من أبناء المدينة الشرقية في فضائهم "الخاص" لقد فُرض هذا اللقاء على الطرفين، لكنهما تكيّفا معه بطريقة تستحق التأمل والتعلم. وغالبًا ما يكون هذا اللقاء قاسيًا وعنيفًا، ولا سيّما في زمنٍ تخوض فيه إسرائيل حربًا وحشية في غزة تُعتم إنسانية كلٍّ من الطرفين المتنازعين، وتُخلّف كارثة بأبعاد تكاد تكون أبوكاليبسية. ومع ذلك، في فضائهم الضيق، يجد المقدسيون غالبًا وسيلةً لئلا تُمزَّق تمامًا خيوط الحياة المشتركة، وهي خيوطٌ تكون أحيانًا رقيقة وأحيانًا متينة، مع حفاظهم في الوقت نفسه على التميّز والهويّة الجماعيّة المختلفة، بل تنافسية أحيانًا. وفي الحقيقة، في هذا الواقع المقدسي جوانب من تطبيع الاحتلال والضمّ وتفوّق الجانب اليهودي. هكذا تبدو صورة العلاقات الجماعية. غير أنه لا يمكن تجاهل جانب آخر يتجلى في لقاء صامت أو منطوق يجري بين الأفراد في الفضاء المشترك: في مركز تجاري، في سيارة أجرة، في قسم الطوارئ، أو في الصيدلية. هذا أيضًا شكلٌ من أشكال التطبيع، لكنه تطبيع من نوع آخر تمامًا: إنه نظرة نحو مستقبل قابل للتحقق، طبيعي، في العلاقات بين الشعبين. وها هو أمامنا نواةٌ طيبة يمكن أن نبني عليها واقعًا بديلًا. تلك هي الآمال التي تطرحها وثيقة "عير عميم"، وهي ليست مجرد أمل، بل خطة عمل حان الوقت لأن نعمل عليها معًا، يهودًا وفلسطينيين. وسيأتي يومٌ يحلّ فيه السعي نحو أفق آخر، إنساني بحقّ، محلّ اليأس السائد اليوم.
في الواقع البديل، يشكّل اللقاء اليومي بين اليهود والفلسطينيين جزءًا من نسق الحياة وتدفقها الطبيعي. يعيشون معًا ومنفصلين في الوقت نفسه، وبنِسَبٍ متغيرة: جزءٌ من هذا التعايش يكون منظمًّا ومحدد سلفًا، وجزءٌ آخر عفوي وتلقائي. الحدود بين الدولتين والشعبين قابلة للعبور، مرنة وميسّرة. هي حدود لا تعيق الحركة المتواصلة والمزدوجة من جانب إلى آخر، وفي الوقت ذاته لا تلغي الفوارق ولا تمحو الخصوصية. ليس على الشعبين أن يتفقا على كل شيء مسبقًا كشرط لوجود عبور حُرّ. سيواصل اليهود والفلسطينيون الجدل حول الماضي، وربما يفعلون ذلك بصوت مرتفع وبحماسة ظاهرة، وسينتقد بعضُهم بعضًا في أساليب العيش أو السمات الجماعية. حتى الإهانة، شأنها شأن الاعتذار والمصالحة، جزءٌ من تفاصيل الحياة اليومية. وفي المجالات التي تستوجب التعاون وتعود بالنفع المتبادل –مثل السياحة، وحماية البيئة، والعمل الشُّرطي– ستكون هناك إدارةٌ مشتركة.
القدس ليست مجرد رمز ديني وتاريخي، وليست فقط حجر الزاوية في الصراع القومي الذي يخوضه اليهود والفلسطينيون؛ إنها أيضًا واقع حياة مدينية يومية يبني عليها المقدسيون تفاصيل حياتهم وأنماطهم اليومية. أما الذين يعيشون خارج المدينة، بشقّيها الشرقي أو الغربي، فلا يدركون هذه الحقيقة كما يراها أهلها. لذلك، في المستقبل، من الضروري أن يوكل إدارة المفاوضات بشأن التسوية السياسية في المدينة إلى المقدسيين أنفسهم، لأنهم الأدرى بحساسيات هذا الواقع وتشابكاته. وكما يرى كل مقدسيّ بعينيه يومًا بعد يوم، فإنّ القرارات المتعلقة بإعادة صياغة العلاقات بين اليهود والفلسطينيين لا ينبغي أن تقتصر على المدينة الشرقية وحدها، إذ إنّ المدينة الغربية والمدينة الشرقية تعتمد كلٌّ منهما على الأخرى. وقد تسقطان معًا أعمق إن فُرضت عليهما قطيعة قائمة على الخوف من الآخر ونبذه. لكنهما، معًا، قادرتان على أن تقودا الشعبين نحو واقعٍ أفضل.
קריאה נוספת
للمزيد
Read More
08
04
02