السلام سيمر عبر القدس

السلام سيمر عبر القدس

05
تُعتبر القدس جزءًا مركزيًّا من الهوية الوطنية والدينية للشعبين اليهودي والفلسطيني. ومدينة المستقبل لا بدّ أن تستمدّ إلهامها من الأحياء التاريخية، لكن مع لمسة جديدة تتيح لكل جماعة الحفاظ على طابعها واستقلالها المنفصل، وفي الوقت نفسه المشاركة في صياغة فضاء مشترك يجمعها.

قضيت نصفَ حياتي الأولى في حيفا، والنصفَ الثاني في القدس. وأعرف عن قرب نوعين من أنماط الحياة المشتركة بين اليهود والعرب.

في حيفا، يبدو التعايش بديهيًّا، حياة جوار لسكان يعيشون جنبًا إلى جنب، وأحيانًا تتداخل حياتهم، فيتبضعون ويأكلون ويتنزهون في متاجر بعضهم البعض، ويستمتعون بالغنى الناتج عن التفاعل الثقافي المتبادل. أذكر أننا كنا، ونحن عائلة علمانية، نذهب في عيد الفصح لشراء الخبز العربي من المخابز العربية. ولاحقًا، عندما كرستُ نفسي لدراسة الظاهرة الدينية، كنتُ أستمتع بالتجول في عيد الميلاد على طول جادة بن غوريون المتوهجة بأضوائها الزاهية، حيث تنتصب في وسطه شجرة عيد ميلاد كبيرة.

أما في القدس، فالحياة المشتركة مختلفة. فكما في العصور القديمة، المدينة مقسّمة إلى "أرباع"، وأحياء حريدية إلى جانب أحياء علمانية. ويقيم معظم السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية. الفرق الجوهري بين المجموعات يكمن في أنّ العرب في القدس الشرقية هم سكان لا مواطنون. صحيح أن أمامهم خيارًا نظريًّا بالحصول على الجنسية، لكنّ المسألة معقدة عمليًّا، وكثيرون منهم لا يرغبون أصلًا في خوض هذه المحاولة.

وهناك اختلاف آخر: فبينما تُعتبر حيفا مكانًا مقدّسًا فقط لدى أتباع الديانة البهائية، فإن القدس مقدسة لليهود والمسيحيين والمسلمين معًا، ولا تقتصر قدسيّتها على الدين فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى الرمز الوطني والقومي. أما بالنسبة لليهود، كما يعلم الجميع، فهي العاصمة القديمة لمملكة داوود، وموضع الهيكل والمركز الثقافي، والمكان الذي أقسموا على العودة إليه "في العام القادم" منذ ألفَي عام.

بالنسبة للفلسطينيين، القدس هي الوديعة التي أودعها في أيديهم صلاح الدين الأيوبي، الذي دعا إبان الدولة الأيوبية (القرنان الثاني عشر والثالث عشر ميلادي) المغاربة والأكراد إلى الاستيطان حول المسجد الأقصى لحماية المكان من الصليبيين. وقد سُمّي حيّ المغاربة القريب من حائط البراق بهذا الاسم لأن سكانه جاؤوا من المغرب. لقد شكّلت هذه الإضافة الديموغرافية واللاهوتية ركيزة أساسية في تشكّل الهوية الفلسطينية بوصفها هويةَ من يحرسون الأماكن المقدسة للإسلام في هذه البلاد، وهو ما يفسر، من بين أمور أخرى، سبب كون جبل الهيكل والمسجد الأقصى بؤرة توتر دائم، ليس دينيًّا فحسب، بل وطنيًّا أيضًا.

ومن بين المدينتين، تجسّد القدس النموذج الأوضح للحياة في سائر البلاد، من النهر إلى البحر. ومن هنا فلا شكّ في أنّ أيّ مستقبل لسلام إسرائيلي فلسطيني لا بدّ أن يمرّ عبر القدس.

الوثيقة الجديدة الصادرة عن "عير عميم" تقدّم، بإيجاز مكثف، الطريق إلى إقامة حياة مشتركة كريمة في القدس، بوصفها خطوة أولى نحو حياة مشتركة في البلاد أجمع. فالسلام سيمرّ عبر القدس، وفي ومروره سيقسمها –لا ماديًّا بل معنويًّا– إذ لا يمكن إنكار حقّ أيّ من الشعبين القاطنين فيها في أن يعيشَ، بل ويديرَ حياته في المدينة.

القدس تشمل كل شيء: ما هو ديني وما هو وطني، وكلا الشعبين اللذين يسكنان في هذه الأرض. ومن القدس تنبثق الآمال، لأنّ سكانها اعتادوا العيش معًا، ويعرفون كيف يتدبرون أمورهم جنبًا إلى جنب، وفي معظم الأحيان بنجاح وسكينة. فأكثر من ثلث سكان القدس الشرقية يعملون في السوق الإسرائيلية، والقطار الخفيف يمرّ تمامًا على خطّ التماس بين الشرق والغرب، ونحن نلتقي باستمرار.

يجب أن يتضمّن المستقبل مبدأ المساواة في الحقوق الأساسية لجميع سكان المدينة (والبلاد)، إلى جانب قدر من الانفصال بين الشعبين، وأن يكون ذلك على أساس نسيج مرن من الاتفاقات والترتيبات المتبادلة. لن يكون هناك حدّ على شكل جدار فاصل، لكن سيكون هناك كيانان سياسيّان. وإلى جانبهما ستبقى الأحياء التاريخية القديمة، التي تتغيّر أحوالها وفق روح العصر، ويظلّ فيها مبدأ واضح: لكل جماعة حدودها وهويتها المميزة. ستُضمَنُ حرية الحركة، لكن كل جماعة قومية ستتمتع بسيادتها الخاصة. ولتحقيق ذلك ينبغي منذ الآن تمكين سكان القدس الشرقية من تطوير مؤسساتهم الوطنية الخاصة، مع ضمان المساواة في حقوقهم بوصفهم سكان المدينة، إلى أن يصبحوا مواطنين فلسطينيين.

وملاحظة ختامية: خلافًا لما جاء في المقترح ضمن الوثيقة الذي يقضي بأن يبقى جبل الهيكل/المسجد الأقصى موقعًا للعبادة الإسلامية تحت إدارة فلسطينية وأردنية، وبموجب ذلك "يحفظ الوضع القائم"، أرى أنه لا يجوز حرمان اليهود في أي تسوية مستقبلية من حقهم في الصلاة في جبل الهيكل، الذي يُعدّ أقدس موقع بحسب تقاليدنا. ففي جبل الهيكل بالذات، اليهود هم الطرف الذي يمارَس عليه التمييز في هذا الشأن (على الأقل رسميًّا؛ إذ يؤدي بعضهم الصلوات هناك في السنوات الأخيرة خلافًا لشروط اتفاق الوضع القائم)، ويجب أن يتغير هذا الواقع. فإذا كنا ملتزمين بالمساواة في الحقوق لجميع سكان المدينة ومواطني البلاد، فإنّ هذه الحقوق تشمل بالضرورة حرية الدين وحرية العبادة.

في العام القادم في القدس المبنيّة، بيتٌ لجميع أبنائها وبناتها.

קריאה נוספת

للمزيد

Read More