لقد خلّفت حربُ غزةَ أطلالًا مدمَّرة: عشراتُ الآلاف من القتلى، وأحياءٌ كاملة سُوّيت بالأرض، وأزمةٌ إنسانية بلغت من الفداحة ما يفوق التصوّر. أما في الضفة الغربية، فقد اجتاحت موجاتٌ غير مسبوقة من عنف المستوطنين، والاقتحامات العسكريّة، وعمليات التهجير الجماعي، القرى والمجتمعات، فاقتُلِعت من أرضها وتشتّتت حيواتُ أهلها. وفي الوقت نفسه، عمّقَ إهمالُ الحكومة الإسرائيلية لقضية الرهائن الذين ما زالوا محتجزين في غزة من مشاعر القلق والغضب الجماهيري وانعدام الثقة. هذا العنف ليس عشوائيًّا؛ فهو النتيجة المباشرة لسنوات من العزل ونزع الإنسانية، ولسياسة "اللعبة الصفريّة" التي تُنكر على الطرف الآخر إنسانيته وحقوقه. في لحظةٍ كهذه، لحظةِ الخراب الكامل، قد يبدو تصوّرُ مستقبلٍ مشترك أمرًا مستحيلًا، إلا أنه في قلب هذا الظلام بالذات، ينبغي علينا أن نصرَّ على تخيّله. وفي صميم أيّ حلّ دائم تقع القدس.
ليست القدس مجرد "قضية من قضايا الوضع النهائي" مؤجَّلة إلى حين تسوية كلّ ما سواها؛ بل هي قلبُ الصراع، والاختبارُ الأقصى لقدرة الإسرائيليين والفلسطينيين على اقتسام المكان والسلطة والكرامة. وثيقة "عير عميم" الأخيرة، «أمل من القدس»، تُعَدّ مرجعًا معرفيًّا أساسيًّا لكل من يسعى إلى رسم طريق نحو حياة مشتركة وآمنة. فهي لا تقدّم تحليلًا واقعيًّا واضح النظرة للحاضر فحسب، بل تطرح أيضًا خطةً ملموسة لمستقبل المدينة. انطلاقًا من عقود من العمل في القدس وتناولها موضوعًا، تضع الوثيقة ثلاثة عشر مبدأً لجعل المدينة عاصمةً لشعبين، قائمةً على المساواة، وتقرير المصير، وحقوق الإنسان، والاعتراف بالروابط التاريخية والدينية والثقافية العميقة. هذا ليس حُلمًا بعيد المنال، بل خارطةُ طريقٍ واقعية، صاغتها الخبرة المعيشية لمقدسيّين، إسرائيليين وفلسطينيين على حدّ سواء.
ولمدة طويلة، كان تأجيل حسم المستقبل السياسي للقدس إلى "المرحلة النهائية" المتخيلة من المفاوضات وصفةً لتكريس الاحتلال وتعميق انعدام الثقة. والثمن واضح: سياساتُ تخطيط وإسكان تمييزية، وإهمالٌ ممنهج للأحياء الفلسطينية، وتآكلٌ في أواصر الاعتماد المتبادل الهشة التي ما زالت تجمع المدينة معًا. واليوم، يشكّل الفلسطينيون نحو 40% من سكان القدس، لكنهم يعيشون بلا حقوق مدنية أو سياسية متكافئة، ومع ذلك فهم يشتركون مع المقدسيين الإسرائيليين في أسواق العمل، والفضاءات العامة، والتعليم، وهوية محلية مرتبطة بالمدينة.
إنّ هذا الترابط المتبادل ليس ضعفًا، بل هو أعظمُ مصادر قوّتنا. غير أنّه لن يصمد من دون حمايةٍ مقصودةٍ واستثمارٍ واعٍ. يدعو التقرير إلى مدينة مفتوحة يعيش فيها الشعبان باستقلال وأمن جنبًا إلى جنب، ويطالب بحماية الأماكن المقدّسة للجميع، وبضمان حرية التنقل، ووضع أطر حكم وإدارة، ربما بمشاركةٍ دوليّة، تكفلُ الحقوق وتحميها وتحافظ على الاستقرار.
في هذه اللحظة الحاسمة، لا يمكن أن تكون الحاجة إلى التحرك أشدّ إلحاحًا. يجب إيقاف الإجراءات الأحادية الهادفة إلى تغيير التوازن الديموغرافي للمدينة فورًا. كما ينبغي معالجة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية العميقة عبر استثمار عادل ومتوازن. ويجب تمكين المجتمعات الفلسطينية من تعزيز مؤسساتها دون خوف، في حين ينبغي للمبادرات الاقتصادية والثقافية والتعليمية المشتركة أن تجسّد التعايش على أرض الواقع.
إنها لحظةٌ تتطلب شجاعة محلية وعزيمة دولية في آن. على الحكومات والمجتمع المدني والنشطاء المواطنين المنخرطين في العمل الميداني في أنحاء العالم أن يدرجوا القدس على سلم أولوياتهم، لا باعتبار ذلك مجرد إيماءة رمزية بل بوصفه خطوة عملية وفورية نحو إنهاء الصراع الأوسع. فكلّ عملية إخلاء، وكل بيت يُهدم، وكل فعل تهجير قسري، يدفع بالسلام أبعد؛ أما الخطوات التي من شأنها تمكين الناس من البقاء في بيوتهم، وتضمن لهم العيش بكرامة، والحصول على حقوقهم، فتقرّبه.
بوسع القدس أن تصبح المكان الذي يُثبت فيه شعبان أنهما قادران على اقتسام مدينة واحدة، كل منهما آمنٌ بهويته وحقوقه، وما يربطه بالآخر ليس الخوف، بل الاعتراف المتبادل. هذا هو الأمل المنبعث من القدس. وإن تحرّكنا الآن، معًا، أمكن لهذا الأمل أن يغدو واقعًا نتقاسمه جميعًا.
קריאה נוספת
للمزيد
Read More
04
01
03