القدس – كيف نتقاسمها ولا نقسّمها

القدس – كيف نتقاسمها ولا نقسّمها

03

تسعى مبادرة «أملٌ من القدس» التابعة لجمعية «عير عميم» إلى إعادة القدس إلى صدارة الخطاب السياسي وصياغة إطار يعترف بالمدينة عاصمةً لكلا الشعبين. وترتكز المبادرة إلى فهمٍ مفاده أن حلّ قضية القدس هو المفتاح لحلّ الصراع برمّته، وتطرح رؤيةً تسعى إلى مشاركة المدينة لا تقسيمها. وبهذا تنضمّ إلى عائلة المبادرات الكونفدرالية، أو تلك ذات الطابع الكونفدرالي، مثل « بلاد للجميع» و«مبادرة جنيف» (بصورتها المحدّثة في ما يتعلّق بالقدس)، التي تطمح إلى اعتبار القدس فضاءً مشتركًا لسيادة مزدوجة وإدارة مشتركة — مع إضافة طبقة تفسيرية أصيلة ومميّزة.

المرتكز الفكري المركزي للمبادرة هو «الميتا-باراديغم العلاقاتي»، الذي يرى العلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين لا بوصفها صراعًا بين هويات منفصلة، بل فضاءً للتشابك والاعتماد المتبادل والتكوين المشترك. وتتجاوز هذه المقاربة منطق التماثل الذي يسعى إلى إقامة طرفين متساويين ومنفصلين، لتؤكّد بدلًا من ذلك على الارتباط، والتبادلية، وحدودٍ متحوّلة. فبدل خطاب الانفصال، تسعى المبادرة إلى تأسيس خطاب الوجود المتداخل المستند إلى مفهوم «الإلقاء» — أي الاعتراف بأن مصائر الشعبين متشابكة بصورة بنيوية لا يمكن فصلها..

وبناءً على ذلك، تلمّح المبادرة إلى ضرورة تطوير مفهوم جديد للمواطنة — مواطنة مكانية تنبع من علاقات وروابط داخل حيّز مشترك، لا من مجرّد الانتماء إلى جماعة سياسية قومية. ووفق هذا التصوّر، تُفهَم المواطنة كنظام حركة — منظومة للتنقّل والوصول والتعاون — تعمل جنبًا إلى جنب مع المواطنة السياسية. وتسعى رؤية القدس المفتوحة التي تطرحها المبادرة إلى تجسيد هذا المبدأ عبر آليات مؤسسية تضمن المساواة في الوصول والحقوق وحرية الحركة لكلا الشعبين، بما يقدّم نموذجًا جديدًا للسيادة المشتركة ضمن إطار الدولتين وبصيغة كونفدرالية من «معًا ومنفصلين في آن».

ويُحسب للمبادرة أنها لا تكتفي برسم خيال سياسي، بل تقترح خطوات عملية قابلة للتنفيذ فورًا — من تعزيز المؤسسات المدنية، ووقف سياسات الإقصاء، والاستثمار في البنى التحتية المشتركة. وبهذا تحوّل الخيال السياسي إلى أداة فعل لا إلى مهرب: دعوة للشروع فورًا في صعود قوس العدالة.

ومع ذلك، ففي زمن ما بعد حرب غزة ووسط هذا الدمار غير المسبوق، لا يمكن صياغة الخيال السياسي من دون مطلب واضح بالعدالة. فأي رؤية لمستقبل مشترك لا بد أن تشمل الدعوة إلى محاسبة مرتكبي جرائم الحرب، إلى جانب الاعتراف والتعويض وجبر الضرر لجميع الضحايا. الماضي لا يمكن تغييره — لكن المستقبل لا يجوز أن يُنتزع من بين أيدينا.

لذلك، فإن مبادرات كهذه — المنطلقة من «يوتوبيا واقعية» تسعى لتحويل الرؤية إلى ممارسة — تستحق الإشادة. ومع ذلك، لا بد من مواصلة تطوير التفكير بشأن حرية الحركة في كامل الحيّز الممتد بين النهر والبحر — لا في القدس وحدها — بوصفها شرطًا ضروريًا، وإن لم يكن كافيًا، لتحقيق المساواة الفعلية والسيادة المشتركة وسلام عادل. 

קריאה נוספת

للمزيد

Read More