اطلعت بترقب واهتمام كبير يشوبه الأمل، على ورقة السياسات الصادرة مؤخراً عن مؤسسة "عير عميم" بعنوان "أمل من القدس". لا شكّ أنّ قضية القدس ليست مسألةً مهمة فحسب، بل هي محورُ أساسي لأيّ ترتيبات سياسية مستقبلية، أو معاهدات سلام، أو مساراتٍ سياسية تُتّخذ باسم "السلام". تصف "عير عميم" الوثيقةَ بأنّها "إطارٌ لتسويةٍ سياسيةٍ للقدس"، وتقدّم في الوقت نفسه عددًا من الخطوات العمليّة –بعضها عاجل– ينبغي الشروع فيها دون تأخير.
تتكوّن الورقة من ثلاثة أقسام رئيسية: يعرض القسمُ الأول السياق الذي وُلدت فيه المبادرة، أما القسمُ الثاني فيحدّد ثلاثةَ عشر مبدأً أساسيًّا ذا أي أهمية خاصة ومركزية في أيّ نقاش جادّ أو اتفاقٍ نهائيّ حول مستقبل المدينة. أمّا القسمُ الثالث والأخير فيُبرز عددًا من الإجراءات الفورية اللازمة لتحسين الحياة اليومية لسكان القدس على نحو بُنيويّ وملموس.
بشكل عام، تقدّم الورقة رؤيةً شاملةً ومتكاملةً على مستوىً عالٍ. فهي صريحة في توصيف السياسات المفروضة على المدينة وسكانها، تلك السياسات الظالمة، القائمة على التهميش والتمييز. وفي جوهرها، تبدو المبادئُ الثلاثة عشر وافية إلى حدّ كبير: واضحة، ثاقبة، كاشفة للأسباب الجذرية في استمرار المعاناة في مدينة القدس خاصة، والبلادَ بشكل عام. كما أنه من الواضح أن الوثيقة تأتي كثمرة نتيجة معرفة وتشاور ودراسة معمّقة. متمنياً أن تحمل معها بعض الأمل إلى سكان المدينة، كما أرجو أن تساهم النقاشات التي تثيرها في تغيير الظروف السياسية السائدة، بحيث تدفع الوثيقة في مسار تسوية الصراع على نطاق واسع.
وربّما عن قصد، تمتنع الورقة عن تبنّي أيٍّ من "الحلول" المتداولة. فهي، من جهة، تدعو إلى مدينة مفتوحة تضمن حريةَ تنقّل الأفراد، لكنها، من جهة أخرى، تأكد على مركزية حدود الـ٦٧ المعروفة بالخط الأخضر. كما تتمسك بمبادئ المشاركة المجتمعية المتشابكة والمتبادلة، وفي الوقت نفسه تدعو إلى ترتيبات مرنة تمكّن من تحقيق تقرير المصير. غير أنّ التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المفاهيم إلى واقع سياسي قابل للتطبيق. لربما التحدي الأكبر، سيكون في ترسيخ هذه الأفكار داخل مجتمعات تزداد انغراسًا في التشدد القومي.
إضافة إلى ذلك، تعاني الورقةُ من نواقصَ جوهرية. فعلى الرغم من أنّها تتبنّى، في ظاهرها، مقاربةً قائمةً على الحقوق –مستندةً في كثيرٍ من الأحيان إلى لغة ديمقراطية وقيم ليبرالية عند تناولها موضوعات المواطنة، والحقوق الفردية، والمجتمع المدني، والحماية الاجتماعية، والرعاية الصحية– إلا أنها تبدي ضعفاً وتقصيراً واضحاً في الاستناد إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة عند معالجتها قضايا الظلم المستمرة تاريخياً. فهي، على وجه الخصوص، تتجنّب التطرق إلى مسألة حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة واستعادة ممتلكاتهم. حيث يقع داخل حدود بلدية القدس مخيمان كبيران للاجئين هما مخيم شعفاط ومخيم قلنديا، يقطنهما عشرات الآلاف من الفلسطينيين المقدسيين، بينما يعيش آلافٌ آخرون خارج مدينتهم بعدما فقدوا بيوتهم في الويلات المتعاقبة. أضافة إلى ذلك، فإن الممتلكات الفلسطينية المقدسية التي صودرت أو نُهبت تُقدَّر بالآلاف، وتبلغ قيمتها مليارات الدولارات. إنّ حقَّهم في العودة ومصير ممتلكاتهم يظلان مسألتين جوهريتين في أيّ تسوية سلمية مقبلة.
كما أن الورقة تفشل في تناول أحد أكثر الحواجز المادية ضررًا في حياة سكان المدينة: جدار الفصل العنصري. ففي رأيها الاستشاري الصادر عام ٢٠٠٤، أعلنت محكمة العدل الدولية أنّ جدار الفصل الإسرائيلي –بما في ذلك مساره حول القدس الشرقية– غيرُ قانوني، ورأت أنّ بناءه والنظام المرافق له ينتهكان القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان. أن عدّة أحياء مقدسية تقع خلف هذا الجدار، وحياة الفلسطينيين اليومية في هذه المناطق تتأثر بشكل عميق وسلبيّ، وعلى جميع الصعد، اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا. ولذلك فإنّ أيّ محاولة حقيقية لتحسين حياة الناس في القدس يتطلّب إعادةَ نظر جذرية في الوجود غير القانوني لهذا الجدار.
فيما تقدّم الورقة تسلسُلًا جيّداً للخطوات الضرورية لتعزيز مجتمع مشترك وعادل وتعاوني في القدس، إلا أنها تقصّر في تناول الأيديولوجيا المتنامية والمروّجة لتفوّق العرق اليهودي، والتي أصبحت شائعة على نحو متزايد داخل المجتمع الإسرائيلي في القدس. ونظرًا لخصوصية المدينة وتفرّدها، فإنّ الأمر بالضرورة يستلزم دراسةً أعمق لتحديد المسار الذي يمكن أن يقود التغيير من مجتمع متجذّر في الإنكار –إنكار اتهامات المجاعة والتجويع والإبادة الجماعية– إلى مجتمع ملتزم حقًّا بالمشاركة والتعايش.
لا شكّ أن القدس هي محور مركزي لمشروع التحرّر الوطني الفلسطيني ومشروع الحركة اليهودية الصهيونية. وبينما تأمل الورقة في أن يؤدي التحول الجذري في القدس إلى تغيير سياسي أوسع، ينبغي التأكيد على أن أي حلّ مستدام للمدينة لا يمكن أن يكون معزولًا أو فردياً، بل يجب أن يندرج في إطار تسوية شاملة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني الأوسع.
لا يجوز التقليل من شأن ورقة السياسات هذه؛ فهي تمثّل اختراقًا حقيقيًّا وخطوات جريئة مقارنة بالمقاربات السائدة والتقليدية، وينبغي أن يتمّ استثمارها كأداة لإطلاق نقاشات أوسع وأكثر صدقًا –لا حول مستقبل المدينة فحسب، بل حول المبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية الضرورية لتحقيق هذا المستقبل. ويقع على عاتق المجتمع المدني والمراكز الثقافية والمؤسسات التعليمية دورٌ ريادي في رعاية هذه الحوارات وصياغتها وتوجيه بوصلة الجهود الرامية إلى هذا الهدف. لقد اتخذ فريق "عير عميم" مبادرة جريئة في هذا الصدد، ويستحقّ عملهم التقدير والثناء.
קריאה נוספת
للمزيد
Read More
07
06
03