خلفية
أدّى الهجوم الفظيع الذي شنّته حماس في السابع من أكتوبر، والحرب المدمّرة التي تلت ذلك في قطاع غزة، إلى صدمة وذعر كبيرين لدى الإسرائيليين والفلسطينيين على حدّ سواء، وبدّد الوهم القائل بأن "إدارة الصراع أو تقليصه من طرف واحد" يمكن أن تكون بديلاً حقيقياً عن اتفاق سياسي. قد يبدو تحقيق السلام أبعد من أي وقت مضى، لكن الأحداث الأخيرة أكدت أن السبيل الوحيد لضمان الأمن والاستقرار للشعبين هو التوصل إلى تسوية سياسية متفق عليها، ترتكز على أن تكون القدس عاصمة للشعبين.
أجّلت جهود السلام السابقة بحث مستقبل القدس السياسي إلى المراحل النهائية من المفاوضات، خشية أن تُعيق تعقيداته تقدّمها. لكن هذا التأجيل لم يؤدِّ إلا إلى إبطاء العملية التفاوضية وتدهور الأوضاع على أرض الواقع. ترى "عير عميم" أن القدس يمكن أن تكون مفتاحاً لحل الصراع، وتسعى لإعادتها إلى صلب الخطاب السياسي.
تعرض "عير عميم" في هذه الورقة مُخططاً للتوصل إلى حلٍّ سياسي في القدس، يتضمن خطوات يمكن تنفيذها فوراً لتحقيق هذا الهدف. يهدف هذا المخطط إلى بثّ الأمل في قلوب الشعبين اللذين يعيشان في المدينة، ويمكنه، إذا توفرت الظروف السياسية المناسبة، أن يساهم أيضاً في حلّ الصراع بشكل أوسع. يقوم المخطط على قيم المساواة وحقّ تقرير المصير لكلٍّ من الإسرائيليين والفلسطينيين، وينطلق من الاعتراف بالروابط التاريخية والدينية والسياسية المتبادلة بين الشعبين والمدينة.
كُتبت هذه الورقة انطلاقاً من الشعور بالإلحاح والقلق على المدينة وسكّانها، وعلى المنطقة عموماً. تُعدّ "عير عميم" مؤسسة غير حزبية تعمل منذ سنوات على تناول تعقيدات الحياة في القدس في سياق الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني ومستقبل المدينة السياسي. تضع "عير عميم" القدس في صدارة أولوياتها كمدينة عادلة يتقاسمها الشعبان، الإسرائيلي والفلسطيني؛ مدينة تهتم برفاه سكانها وجودة حياتهم، وبأماكنهم المقدسة، وممتلكاتهم التاريخية، والثقافية.
يتناول الجزء الأول السياق والظروف التي أدت إلى كتابة الورقة، بينما يعرض الجزء الثاني ثلاثة عشر مبدأً توجيهياً للتوصل إلى اتفاق سياسي في القدس. أما الجزء الثالث فيقدم خطوات فورية مفصلة يجب اتخاذها لتحسين حياة السكان في كلا قسمي المدينة وتهيئة الظروف للمفاوضات السياسية.
"مهما بدت الأمور بعيدة المنال ومستحيلة في هذه اللحظة، حتى في ظل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المؤلم والدامي، قد تحدث نقطة تحول تُؤدي إلى اتفاق سياسي".
زعزعت أحداث 7 أكتوبر والحرب في غزة تصورات الإسرائيليين والفلسطينيين عن وجودهم وأمنهم. أصبح القلق حاضراً في جميع جوانب الحياة، وتزايد الخوف وتشويه صورة الجانب الآخر. رافق الانهيار الكبير الذي حدث تحوّل في النظرة أحادية الجانب للصراع، من مجرد "إدارة" أو "تقليص" الصراع إلى محاولة حله بوسائل قمعية، أو الانفصال وفق شروط يفرضها طرف واحد، والاستيلاء والتعالي. بالمقابل، أثبتت الاتفاقات السياسية التي أبرمتها إسرائيل مع دول كانت بينها عداءً سابقاً أن التوصل إلى حلول ممكن حتى في أوقات صعبة. ورغم صعوبة الأمر، وحتى في ظل الصراع المؤلم والدامي، قد تظهر نقطة تحول تؤدي إلى اتفاق سياسي يحظى بدعم دولي، ويرتكز على حقوق تقرير المصير والمساواة والعدالة لكلا الشعبين.
قد يكون من الصعب اليوم تخيل مستقبل واعد يقوم على الاتفاق والتبادل. بعد عقودٍ من فقدان الشرعية لأي اتفاق سياسي، يجب على أي خطاب جديد حول الحل أن يثبت أهميته لحياة السكان، وأن يكون متنبهاً لهواجسهم ويضمن تحسيناً حقيقياً في حياتهم اليومية. كما يجب أن يعترف بالظلم الناتج عن الاحتلال وبالروابط المتبادلة بين الشعبين اللذين يعيشان على الأرض نفسها، وأن يحقق، إلى جانب الانفصال وحق تقرير المصير، قيم المشاركة والمساواة والازدهار المتبادل والدعم المدني الواسع. كما ينبغي لأي خطاب جديد أن يلتزم بحقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق المرأة والطفل، وأن يمنح السكان من كلا الطرفين شعوراً ملموساً بالعدالة والشراكة والأمل.
ليس هذا تصوراً طوباوياً. من المؤكد أن الطريق سيكون مليئاً بالصعوبات والعقبات، وأن هناك من سيحاول إحباطه، لكنه ليس مستحيلاً. فقد ظهرت بالفعل نماذج مماثلة في مدن مختلطة عديدة في إسرائيل، حيث لم تحدث مشاكل كبيرة رغم محاولات الاستفزاز المستمرة. لذلك، تؤمن "عير عميم" بأن القدس يمكن، بل ينبغي أن تكون، نقطة انطلاق لتصور واقع مختلف والعمل على تطويره وفق المبادئ المقترحة في هذه الورقة. يمكن لهذه المبادئ أن تحسن الواقع القائم في المدينة، وأن تكون، عند توفر الظروف السياسية المناسبة، منصة للتوصل إلى حل سياسي ليس فقط للقدس، بل للصراع بأكمله.
"بدلًا من النظر إلى القدس كعقبة أمام السلام، يجب اعتبارها نقطة انطلاق ومفتاحاً لتسوية مستدامة يمكن البدء بتطبيقها فوراً."
تقع القدس في قلب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وهي المدينة الوحيدة التي يعيش فيها شعبان كبيران، إسرائيلي وفلسطيني، في مساحة حضرية مشتركة. يعتبر كل منهما القدس عاصمته ومركز طموحه القومي والديني والتاريخي. هذا الواقع يثير التوتر، لكنه يعكس أيضاً اعترافاً وترابطاً متبادلاً بين الشعبين.
تم تأجيل مناقشة قضية القدس في جميع جولات المفاوضات السابقة بحجة صعوبتها وتعقيدها، لكن تجاهل القدس ساهم في تطبيع الاحتلال وتعزيز خطاب أحادي الجانب وزيادة فقدان الثقة بين الطرفين. تشير الورقة الحالية، خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر، إلى وجوب عكس هذا النهج: بدلًا من اعتبار القدس عقبة أمام السلام، يجب اعتبارها نقطة انطلاق ومفتاحاً لتسوية مستدامة يمكن البدء بتطبيقها فوراً.
هذا بالإضافة إلى أنه، وفي جانبي المدينة، الإسرائيلي والفلسطيني، يعيش مجتمع مدني نابض ومتنوع يتمتع بمعرفة واسعة بشأن الحياة في بيئة الصراع ويشارك العديد من أعضائه في أنشطة وممارسات تهدف لإدارة الحوار ومكافحة العنف. تعتبر هذه المجموعات قوة اجتماعية مهمة يمكن، ويجب، تسخيرها لدعم جهود التوصل إلى حل. بإمكان القدس أن تكون نموذجاً رائداً في تقديم إجابات ملموسة بشأن التعبير بشكل مناسب عن الطموحات والرغبات الوطنية لكلا الشعبين من منظور قائم على المساواة والالتزام بالحقوق الفردية والجماعية، والتواصل والتعاون.
"تُعزز العلاقات المتبادلة الحياة اليومية في المدينة، وقد تبيّن ذلك في العديد من الحالات المشحونة، بما في ذلك بعد أحداث 7 أكتوبر."
ترتكز الحياة في القدس اليوم على وضع خاص وصعب: يعيش أكثر من ثلث سكان المدينة من الفلسطينيين تحت الاحتلال في القدس الشرقية. هؤلاء يعانون من عدم المساواة المدنية والسياسية، وتمييز في الخدمات والبنية التحتية، وتقييدات صارمة في التخطيط والبناء، بالإضافة إلى التهديد بفقدان الإقامة ومحاولات مستمرة لإخراجهم من المدينة. أدّى بناء جدار الفصل إلى قطع العلاقة بين القدس والضفة الغربية، ما زاد اعتماد الفلسطينيين على النظام الإسرائيلي رغم التمييز المستمر. كما يُمنع سكان الضفة الغربية من دخول القدس والأماكن المقدسة فيها تقريباً، ويعيش بعض الفلسطينيون في القدس في أحياء خارج جدار الفصل معزولين عن الخدمات الأساسية ويواجهون قيوداً شديدة على حرية التنقل. هذا الواقع يمثل عامل تدهور وتصعيد مستمر.
ومع ذلك، القدس هي مدينة يعيش فيها المجموعتان جنباً إلى جنب، وتربط بينهما علاقات مشتركة ومتبادلة في مجالات حياتية متنوعة. أكثر من ثلث سكان القدس الشرقية يعملون في سوق العمل الإسرائيلي في صناعات متنوعة، بدءاً بالنقل والبناء ووصولاً إلى التجارة والسياحة والطب. العديد من الأماكن العامة في المدينة تعد مساحات مشتركة. منذ بناء الجدار الفاصل، ارتفعت نسبة الطلاب الفلسطينيين في مؤسسات التعليم العالي الإسرائيلية، وزاد الطلب على تعلم اللغة في كلا الجزأين من المدينة (إسرائيليون يتعلمون العربية وفلسطينيون يتعلمون العبرية). كما يتعاون نشطاء المجتمع المدني على كلا الجانبين، وتعد حرية التنقل والتواصل المكاني من الاحتياجات المشتركة لمعظم السكان.
يشارك السكان في هوية محلية مشتركة، بالإضافة إلى هويتهم الوطنية. يُعزز هذا الترابط الحياة اليومية في المدينة، وقد ثبت ذلك في حالات مشحونة عديدة، بما في ذلك بعد 7 أكتوبر، حين عادت الحياة اليومية المختلطة إلى مسارها الطبيعي بسرعة نسبية، ما ساهم جزئياً في استعادة الشعور بالأمن. على الرغم من محاولات التحريض التي قام بها بعض المسؤولين، حافظ السكان من كلا الجانبين على مجتمعاتهم وروتينهم اليومي، وتعاونوا في تلبية احتياجاتهم الضرورية.
"معالجة القضايا الأساسية في هذه المرحلة أمر ضروري، خصوصاً في ظل المحاولات المستمرة لفرض واقع على الأرض يعرقل التوصل إلى أي حل مستقبلي."
يعتمد المخطط المقترح على المبادئ الأساسية لحل الدولتين: تقرير المصير، الديمقراطية، المساواة وحقوق الإنسان، مع تطبيق مرن لهذه المبادئ بما يتناسب مع الواقع الحالي وتجارب الماضي. وسيتم تحديد الإطار السياسي الدائم، سواء كان دولتين مستقلتين أو نظاماً كونفدراليًا، باتفاق الطرفين، بهدف التعبير بشكل أفضل عن الاحتياجات المشتركة التي تحدد مكانة القدس كعاصمة للشعبين.
تتضمن هذه الورقة ثلاثة عشر مبدأً توجيهياً لاتفاق سياسي في القدس، تتناول قضاياها الأساسية مثل الحدود، السلطة والسيادة، الأحوال المدنية، والأماكن المقدسة، مع التأكيد على أهمية استمرار الحياة اليومية، وتعزيز الترابط، والتواصل، والتكافل. وتشير الوثيقة أيضاً إلى إجراءات ملموسة يمكن البدء في تنفيذ بعضها فوراً لإعداد الظروف للمفاوضات. ويُعد التطرق للقضايا الجوهرية في هذه المرحلة أمراً ضرورياً، خصوصاً في ظل المحاولات المستمرة لفرض أمر واقع يعيق التوصل إلى أي حل مستقبلي.
أخيراً، نؤمن أن التسوية المقترحة قادرة على خلق واقع أفضل وأكثر إنصافاً للشعبين. في الوقت نفسه، ندرك أن أي تسوية تنطوي على ألم كبير، ومخاوف، وانعدام لليقين، حيث قد يشعر كل طرف بأنه يبذل تنازلات وتضحيات أكثر من الآخر. كما أن التنازل عن أماكن ذات أهمية رمزية ودينية يمثل تحدياً إضافياً. العناصر المتطرفة من كلا الجانبين ستسعى لإشعال التوتر وعرقلة جهود التوصل إلى اتفاق. إلى جانب ذلك، يعيش جزء كبير من سكان المدينة، الإسرائيليين والفلسطينيين، تحت خط الفقر ويواجهون صعوبات اقتصادية واجتماعية، ما يضيف اعتبارات مهمة لتخطيط واستدامة التسوية في القدس. بناءً على ذلك، نحن مقتنعون بأنه لم يعد هناك مجال لتأجيل قضية القدس، ونؤمن بأن المخطط المقترح أدناه قادر على المساهمة في تعزيز حل سياسي وأن يكون أساساً للنقاش حوله.