أملٌ من القدس: رؤية عير عميم

أملٌ من القدس: رؤية عير عميم

04

مَحَبّةُ آدم في القدس. تلك هي، في نظري، خلاصة رؤية "عير عميم" كما تظهر في الوثيقة الجديدة «أمل من القدس» وكذلك في نشاط الجمعية الممتد على مدى عقود. تعبّر وثيقة «أمل من القدس» عن مقاربة واسعة وعميقة للقضايا المحورية المرتبطة بأمن وازدهار كل من يتّخذ القدس مسكنًا، دون تمييز في الدين أو العرق أو الجنس. تمثّل هذه الرؤية نقيضًا للخطاب القومي السائد في إسرائيل بشأن القدس، الخطاب الذي يُخضع المدينة لسياسات عنصرية تفرّق بين سكانها، وتقوّض جودة حياتهم، وتعرّض أمنهم ومستقبلهم للخطر. تمزّق رؤية "عير عميم" حجاب المصالح الضيقة الذي يلقي بظلاله على النقاش حول مستقبل القدس، وتضع الجهد الرامي إلى إيجاد حل مستدام للتعايش والسلام في المدينة في صدارة الأمل.


أودّ أن أسلّط الضوء على رؤية "عير عميم" من زاوية يهودية دينية، من خلال التأمل في معنى الكلمات: "مَحَبّةُ آدم في القدس". لنبدأ بكلمة "آدم". في التقليد الكاباليّ، تُعدّ كلمة "آدم" (أي إنسان) رمزًا دينيًّا يشير إلى منظومة من القوى والخصال التي تُفيض في العالم فيضًا إلهيًّا. ولكي يستمر هذا الفيض الإلهي، لا بدّ من توازن دقيق بين تلك القوى والخصال المختلفة: بين الارتقاء الروحي والمادية الحسية، بين الرحمة والعدل، بين العطاء والتلقي، بين العفوية والثبات، وغير ذلك من الأضداد. وإلى جانب ضرورة الحفاظ على هذا التوازن، هناك أيضًا حاجة إلى التحصن من الشرور والآفات كالكراهية والعنف والغضب النرجسي. إنّ كلمة "آدم" هي اسم هذه المنظومة عندما تكون متوازنة ومحمية من الفساد. وقد يبدو ذلك مدهشًا، لكن مرادف آدم في هذا السياق هو أيضًا اسم الإله يهوه. ويرمز هذا الاسم، الاسم الصريح للإله في الكابالاه، إلى المنظومة المتوازنة التي تُفيض الفيض الإلهي في العالم. وبذلك فإنّ "آدم" بوصفه رمزًا كاباليًّا، هو في جوهره اسمٌ من أسماء الله، وليس مجرد تسمية لنوعنا البشري. وللتفريق بين الكلمة بمعناها العادي وبينها كرمز كاباليّ، يُضيف ناشرو النصوص الكاباليّة أحيانًا علامات اقتباس –تُستخدم في العبرية ضمن الاختصارات– في وسط الكلمة، فتصير آد"م (אד"ם)، للدلالة على أنها تشير إلى رمز إلهي لا إلى الإنسان بمعناه المألوف.


مَحَبّةُ آدم في القدس. في وعيي الداخلي، ثمة دائمًا علامات اقتباس في كلمة آد"م. ذلك لأن الإنسان الدنيوي، الذي تكافح "عير عميم" للحفاظ على حياته وكرامته، ليس مجرد لحم ودم، بل هو أيضًا صورة الله والمفتاح لانسياب الفيض الإلهي. أشعر بالحاجة إلى استدعاء خيالي الديني وعالم الرموز في الكابالاه لأمنح كلمة "آدم" وزنها المستحقّ. فبهذه الطريقة وحدها أشعر أنني ألمس ولو قليلًا الأهمية اللامتناهية لحياة كل إنسان على حدة. محبّة آد"م في القدس. حقوق آد"م.


وعلاوة على ذلك، "القدس" هي بدورها رمز كاباليّ. فالقدس هي الوعاء الذي ينساب إليه الفيض الإلهي، ومنه يتدفق هذا الفيض إلى العالم كله. وأما منبع هذا الفيض الذي يتدفق إلى القدس، فهو ممثَّل برمز كاباليّ آخر هو "جبل صهيون". ويتجلّى هذا المعنى في المزمور (133:3): «مِثْلُ نَدَى حَرْمُونَ النَّازِلِ عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ. لأَنَّهُ هُنَاكَ أَمَرَ الرَّبُّ بِالْبَرَكَةِ، حَيَاةٍ إِلَى الأَبَدِ». وبحسب التأويل الكاباليّ، يُمثّل "ندى حرمون" و"البركة حياة" الفيضَ الإلهي ذاته. يتدفّق هذا الفيض إلى "جبال صهيون" ومنها إلى القدس، ثم إلى "العالم"، أي إلى الأرض كلها. لا بمعنى "إلى الأبد" الزمني، بل إلى كوكب الأرض بأسره. إنّ الربط بين "جبل صهيون" والقدس هو الذي يتيح انسياب "البركة حياة"، وهو العمود الفقري للنظام الذي يُمكّن هذا الفيض من التدفق، أي إنّه العمود الفقري لـ آد"م.


إلا أن الرابط بين صهيون والقدس، بحسب الكابالاه، مشروطٌ بكون القدس "مدينة العدل". فعندما يسود الظلم في المدينة المقدسة، ينقطع الاتصال بين صهيون والقدس، وبدلًا من انسياب "البركة حياة"، تنفلت قوى الشر والنجاسة، فتُلحق الأذى بسكان القدس وبالعالم بأسره. في مثل هذا الوضع، يُقال إنّ "جبل صهيون قد خُرّب". أي، إنّ خراب الهيكل لا يصف تدمير المعبد المادي، بل هو تصوير للخراب الناجم عن غياب العدل في القدس. إنّ خراب البيت هو انقطاع الصلة بين صهيون والقدس، وهو الانقطاع الذي يُحطّم العمود الفقري لـ آد"م. فكلّ مرة تُهجَّر فيها أسرة فلسطينية من منزلها بفعل الاضطهاد العنصري الذي تمارسه الدولة، وكل مرة تُستهدَف فيها أحياء أخرى بعمليات تطهير عرقي، كما في بطن الهوى والشيخ جراح، ويذوي سكانها تحت غمامة من القلق واليأس، يُخرَّب جبلُ صهيون من جديد، ويُمزَّق جسدُ آد"م ويُدَنَّس.


إلا أن الرابط بين صهيون والقدس، بحسب الكابالاه، مشروطٌ بكون القدس "مدينة العدل". فعندما يسود الظلم في المدينة المقدسة، ينقطع الاتصال بين صهيون والقدس، وبدلًا من انسياب "البركة حياة"، تنفلت قوى الشر والنجاسة، فتُلحق الأذى بسكان القدس وبالعالم بأسره. في مثل هذا الوضع، يُقال إنّ "جبل صهيون قد خُرّب".


يصف حكماء الكابالاه هذا الوضع المروّع بوصفه حالة فقدان: فصهيون والقدس تفقدان بعضهما بعضًا: «ضاع الصدّيق عن العدل، وضاع العدل عن الصدّيق». فالـ"صدّيق" هو اسم رمزي لصهيون، لأن كل شيء يتعلق به، كما في القول "الصدّيق أساسُ العالم". والعدل هو اسم رمزي للقدس، لأنه وُجدت لتكون "مدينة العدل". ومن هنا، فعند خراب البيت، كبيوت عائلة رجبي، وعائلة سالم، وكل عائلة وعائلة، تكون صهيون والقدس هما التائهتَيْن. لكن سيأتي يومٌ تتحقق فيه رؤية "عير عميم"، فتُحفَظ جميع عائلات القدس، في شرقها وغربها، من قوى الدمار النجسة التي تمارسها دولة إسرائيل وجمعيات المستوطنين. وعندها ستتّحد صهيون والقدس من جديد، ويفرح آد"م بأفعاله.


ومن هنا، يمكن فهم التأويل الكاباليّ للكلمات: «فَيَأْتِي التَّائِهُونَ فِي أَرْضِ أَشُّورَ وَالْمَنْفِيُّونَ فِي أَرْضِ مِصْرَ وَيَسْجُدُونَ لِلرَّبِّ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ فِي أُورُشَلِيمَ» (إشعياء 27:13). من هو التائهون؟ إنهم الصدّيق (جبل صهيون) والعدل (القدس). فقد أضاع أحدهما الآخر، وامتلأ العالم من جرّاء ذلك كراهيةً وعنفًا. أما معنى العبارة "فَيَأْتِي التَّائِهُونَ" فهو أنهما سيجدان أحدهما الآخر من جديد، كما هو مرسومٌ في رؤية "عير عميم". ففي هذا الزمان "فَيَأْتِي التَّائِهُونَ" إلى أين؟ إلى السجود في الجبل المقدس (القدس)، أي في جبل صهيون، المكان التي ينساب منه الفيض الإلهي. في الجبل المقدس في أورشليم، لأن أورشليم، عندما تكون مدينة العدل، تصبح الوعاء الذي ينساب فيه الفيض، ومنها تفيض البركة حياة إلى العالم بأسره. وبهذا يتلخّص معنى آد"م.


"عير عميم" ليست جمعية يهودية أو دينية، لكنّ رؤيتها لأورشليم القدس الشريف تعبّر، في نظري، عن أسمى رؤية دينية يهودية على الإطلاق.

קריאה נוספת

للمزيد

Read More